الشيخ محمد النهاوندي

358

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

إِنَّ لَكَ يا محمد فِي النَّهارِ سَبْحاً وتقلّبا « 1 » وتصرّفا أو فراغا طَوِيلًا لحاجتك ونومك ، فعليك بالقيام للعبادة في الليل . ثمّ بيّن سبحانه ما ينبغي للعبد بعد تلاوة القرآن الاشتغال به بقوله : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بالقلب بذكر نعمائه وكمال قدرته وحكمته وألطافه ، وباللسان بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير وَتَبَتَّلْ وانقطع من الدنيا وما فيها ، بل عن غيره تعالى إِلَيْهِ وحده تَبْتِيلًا وانقطاعا تاما ، لا تسأل غيره في حاجة ، ولا تتوجّه في آن إلى ما سواه . ثمّ مدح سبحانه ذاته المقدسة بمدح يوجب العقل الانقطاع إليه بقوله : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وما بينهما لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولا معبود سواه ، فإذا عرفت ربّك بهذه العظمة والقدرة الكاملة فَاتَّخِذْهُ واختره لنفسك وَكِيلًا ومدبّرا لجميع أمورك ، ومفوّضا إليه جميع مقاصدك ، وكفيلا بما وعدك من النصر والغلبة على أعدائك . [ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 10 إلى 14 ] وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ( 10 ) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ( 11 ) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً ( 12 ) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً ( 13 ) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً ( 14 ) ثمّ سلّى سبحانه حبيبه صلّى اللّه عليه وآله بقوله : وَاصْبِرْ حبيبي بعد ما اتخذتني وكيلا عَلى ما يَقُولُونَ هؤلاء المشركون فيك ، وفوّض أمرهم إليّ ، ولا تشغل قلبك باصلاح أمورك الراجعة إليهم وَاهْجُرْهُمْ واترك مخالطتهم ، واصرف قلبك عن التفكّر في أمرهم هَجْراً جَمِيلًا مقرونا بالمداراة والكفّ عن المافات وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ الذين هم أُولِي النَّعْمَةِ والتّرفّه والرئاسة والتكبّر ، وحل بيني وبينهم ، فانّي أكافي ما أهمّك من مجازاتهم وَ لكن مَهِّلْهُمْ وأخّر سؤال تعذيبهم زمانا قَلِيلًا وهو الزمان الباقي إلى يوم بدر ، أو الباقي من عمرهم في الدنيا . عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث يذكر فيه المنافقين - قال : « وما زال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يتألّفهم ويقرّبهم ويجلسهم عن يمينه وشماله حتى أذن اللّه عزّ وجلّ في إبعادهم بقوله : وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا » « 2 » . أقول : لا ينافي ذلك العموم لجميع المكذّبين . ثمّ بيّن سبحانه ما أعدّ لهم من العذاب في الآخرة بقوله : إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وقيودا ثقالا لأرجلهم

--> ( 1 ) . في النسخة : وتفليا . ( 2 ) . الاحتجاج : 253 ، تفسير الصافي 5 : 242 .